كتب - أحمد الجارالله:
»أعرف يا أخ أحمد انك قادم إلي لتقول لي اشياء كثيرة تأكد انني أعرفها.. فأنا اعرف أنك ستسألني عما يقال عن ضعف الاداء الحكومي وضعف رئيس الوزراء وعن الفساد الاداري, وعن مخالب الروتين القاسية والبيروقراطية الموجودة في بلدنا, كما ستكلمني عن البلدية وما يحدث فيها, وعن هيئة الصناعة وادارات اخرى.. وانا على علم بما فيها, واعرف كل ذلك, ولكن دعني اضع نفسي مكانك واسألك: عندما يتوجه مريض الى الطبيب, هل يمنحه الدواء قبل تشخيص علته? وهنا مربط الفرس«.
بهذه الكلمات القليلة والعميقة في مدلولاتها, بدأ اللقاء مع سمو رئيس مجلس الوزراء الشيخ ناصر المحمد الاحمد الصباح, وهو اذ حمل الكثير من الاسئلة التي تجول في خاطر المواطن وتسود جلسات الحوار ومناقشات الديوانيات, الا انه حفل, في المقابل, بالكثير من الاجوبة التي اضاء فيها سمو الرئيس على واقع تعيشه الكويت, وطبيعة العمل القائم لمعالجته, وسمات المرحلة المقبلة التي تحمل عنوان »كويت الغد«, والمهمة ليست سهلة بالطبع, فالمريض المحتاج للتشخيص, وكما يضيف سمو رئيس الوزراء, ليس فردا, ولا هو ادارة او وزارة بعينها, »بل واقع مجتمع ودولة استشرت فيه علل كثيرة خلال سنوات طويلة, حيث الجهاز الوظيفي مثقل بالقوانين سواء منها التي تطبق او التي يأكلها الاهمال, وهو مثقل بالقرارات التي صدرت في ظروف معينة ثم انتهت صلاحيتها ووضعت جانبا, فلم نلغها, ولم نفعلها, وباتت قيدا يكبل جزءا من حركتنا… اعرف كل ذلك, لكنني اكرر انه لاتوجد وصفة طبية قبل التشخيص الصحيح, هذا اذا اردنا العلاج السليم والناجع«.
هذا الكلام الكبير, والجريء, والمسؤول, كان مقدمة صريحة لحوار مكشوف أخرج الهمس الى العلن ووضع الامور في نصابها, وبدأ بالسؤال الآتي:
سمو الرئيس, تحدثتم عن التشخيص المطلوب للمرض القائم, لكنني لاحظت ان تشخيصكم طال, وانك حتى الآن, لم تصف الدواء?
اتق الله, فالمدة التي توليت فيها منصب رئاسة الحكومة لم تتعد السنتين, وقد تحملت إرثا إداريا وصفه سيدي صاحب السمو امير البلاد بانه فساد تعجز عن حمله البعارين… ولذلك فإن مدة السنتين او ثلاث السنوات لن تكون كافية لعلاج داء طال امده, ومع ذلك, فإننا نسير ونعمل طيلة هذه الفترة على وضع الحياة السياسية في البلاد فوق سكة الدستور والقوانين التي ارتضاها اهل الكويت وتمسكوا بها ودافعوا عنها في كل الظروف.. وعندما اعمل على وضع هذه الحياة السياسية فوق سكة القوانين فإنني ادرك ان الامر سيكون مزعجا, وتعتريه صعوبات, لان البعض اعتاد على الاستثناءات وعلى الدوران حول القانون, وهذا الامر احمل تجاهه حساسية كبرى, وما اريده هو ان نعتاد جميعا على تطبيق القوانين, فنسير على هديها اذا كانت جيدة, اما اذا كانت تحتاج الى التطوير فليتم هذا الامر ضمن تشخيصنا للمرض بحيث يتواكب العلاج مع زيادة فعالية هذه القوانين, واضافة الى ذلك, هناك قرارات كثيرة صدرت في الادارات منذ زمن, ولم تعد صالحة للتطبيق مع تطور الحياة, وهذه ينبغي ان ننفض عنها الغبار فنطور منها ما يستحق التحديث ويتماشى مع رغبة المواطنين وطموحاتهم, ويتناسب مع توجيهات صاحب السمو حفظه الله لرفع مستوى الاداء الحكومي…ولا اكشف سرا اذا قلت ان صاحب السمو امير البلاد وخلال ترؤسه احدى جلسات مجلس الوزراء طلب من الوزراء ومني ان نطبق القانون حتى ولو على اعلى مسؤول وقال لنا: طبقوا القانون وطوروا الاداء الحكومي, طبقوا القانون ولو على نفسي.
هل طبقتم القانون?
سمو الرئيس, لكنك انت لم تطبق القانون عندما ألغيت مشاريع B.O.T واتفاقاتها وهي الآن في المحاكم, وكذلك عندما قمت بتحييد الاسهم, والقضية منظورة في المحاكم وقد تخسر الدولة تعويضات كثيرة!
لقد طبقت توصيات ديوان المحاسبة وهو جهاز رقابي على اعلى مستوى, وهو في تقاريره طلب مني الغاء هذه الاتفاقات.. اذن, انا طبقت القانون, فاذا نتج عن ذلك سلبيات فإن العيب يكون في القانون نفسه لا في تطبيقاته, وهنا يفترض ان يتعرض هذا القانون الى التعديل من قبل الحكومة والمؤسسة التشريعية, وبالفعل فإننا الآن امام قانون جديد لأملاك الحكومة توجد فيه قواعد وشروط لاتفاقات ال¯B.O.T وكذلك سنكون قريباً مع قانون جديد للشركات, وآخر لسوق المال والذي سيضع بدوره مساراً غير المسار الحالي
موجبات التعديل
سمو الرئيس في كل دول العالم هناك ما يسمى بالمرئيات الحكومية وهي تكون خارج اطار القانون اذا كان هذا القانون قاصراً عن مماشاة مفهوم الدولة العصرية وكان على الحكومة ان تراعي هذه المسألة رحمة بالمواطنين?
قلت لك, واقول الآن, نعم ان تطبيق القانون وان كان مزعجاً, الا انه يضع الحياة السياسية على السكة الصحيحة, كما انه يشكل دافعاً للتعديل اذا كانت موجبات هذه التعديل واردة فالناس التي تشكو يمكنها اللجوء الى الحكومة والمؤسسات التشريعية بطلب تعديل القانون, وبالنتيجة نحن في دولة ديمقراطية يمكن فيها لاي مواطن ان يتوجه الى مؤسسات الحقوق العامة, وهذا من صلب حقه, ونحن مع كل الحقوق عندما يقرها قضاؤنا المستقل.
لماذا الضعف?
سمو الرئيس هناك من يهمس وربما من يعلن ان سموكم أظهرتم ضعفاً في ادارة الحكومة, فهل هذا الضعف منكم ام من وزرائكم?
سهل ان تقول ما تريد, وأنا اعرف ان مثل هذا الكلام متداول لكنني قلت لك في بداية هذا الحديث ان اي طبيب متمكن, وقبل ان يصف الدواء عليه ان يشخص المرض بشكل صحيح, وقلت ان سنتين لا تكفياننا لنفض الغبار عن واقعنا الاداري كما امرنا صاحب السمو أمير البلاد, ونحن امامنا مرحلة نمو تمتد الى ثلاثين سنة مقبلة, فهناك مدن ستقام في شمال البلاد, ومؤسسات صناعية ومصانع على حدودنا الشمالية وهناك عملية تنمية مكثفة مداها سيتجاوز ثلاثين سنة المقبلة, وهذه تحتاج الى وقت للتشخيص والعلاج… فقبل ايام وافقت المؤسسة التشريعية على اربعة قوانين مهمة من بينها تخصيص الخطوط الجوية الكويتية, واملاك الدولة وخفض الضريبة, فيا اخي, عندما تتحدث عن ضعف رئيس الحكومة او ضعف الوزراء لنلتفت اولاً الى ما يتم تحقيقه على الارض, وباستطاعة اي انسان ان يذهب ويسأل عما يسمى »حكومة مول« وبقدرة المواطن ان يطلب منها اي شيء يريده من رخص, ومعاملات اخرى, وانه يلقى تلبية لطلبه خلال ثلاثة ايام, و»حكومة مول« شبيهة بما يسمى »الشباك الواحد« في الدول المتطورة, بحيث تجتمع فيها كل وزارات الخدمات والمهم ان يأتي اليها المواطن بملف مكتمل, وسوف نعمم »حكومة مول« الآن على كل المناطق فلا يعود المواطن محتاجاً للمجيء الى العاصمة لانجاز معاملة تتعلق بالبلدية مثلاً بل يستطيع ذلك وهو في منطقته, اما المدن التي ستقام ليتكم تسألون عنها وزير الاسكان, حيث ستكون فيها صلاحيات خدماتية للمحافظ توفر على المواطن المراجعة في العاصمة.. ولذلك أرى ان القول إن الحكومة ضعيفة أو إنني ضعيف, مجرد جدل لا يلفت نظري ولا أتوقف عنده, لأنه أمامي تصور شامل فمن ضمن بنوده وضع البلاد على سكة القوانين التي ارتضيناها ونسير وفقها, وهذه السكة متعبة في البداية, لكن في المحصلة فان كل واحد سيعرف ماله وما عليه, وستدلنا التجربة على القوانين المعيقة أو المنقوصة أو العرجاء لنتعاون مع مجلس الأمة على تصحيحها واستكمالها وتفعيلها, فنحن لا نستطيع قلب الموازين بين ليلة وضحاها, وهذا هو المسار الصحيح, وكل ما عداه مجرد ترقيع, وأنا في هذه المهمة لست صاحب مصلحة, اللهم إلا مصلحة واحدة هي إنني أقوم بإداء أفضل, لا يعني ذلك أننا لا نرتكب أخطاء, ولا ينبغي احتساب الأخطاء على انها ضعف لرئيس الحكومة أو الوزراء, فمن يعمل يخطئ, مع ذلك فإننا نطور أنفسنا ولسنا جامدين في مكاننا.
النواب أولى بالمطالبة
سمو الرئيس لكنكم تسيرون وفق سياسة إرضاء كل الناس, وهي غاية لا تدرك?
صحيح, لكن إرضاء أكثر الناس ممكن تحقيقه, ومع ذلك فإن إرضاء الناس عبر وضعهم فوق سكة القوانين غاية أسعى إليها دائما.
سمو الرئيس, هذه القوانين بعضها بات مزعجاً للناس وكثيرون تأذوا منها, ويفتر
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |